عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
25
معارج التفكر ودقائق التدبر
مليارات السنين ، قادر على أن يوجده بكلمة : « كن » في أقلّ من طرفة عين ، ولكنّ حكمته في التكوين اقتضت أن يكون خلقه على نظام التّربية ، فهو جلّ جلاله وعظم سلطانه ربّ العالمين ، ومن حكمة هذا الاختيار أن يكون خالقا دواما مهما تعاقبت الأزمان . وإنّ بدء إيجاد الشّيء من عمق باطنه إلى ظاهره ، أكثر دلالة لدى أذهان المخلوقين ، على أعمال الخلق الإبداعي ، من تجميع العناصر على الشيء من أبعاد ظاهره . إنّ أعمال الناس الإبداعيّة في البناء والإنشاء والمخترعات كلّها تتمّ عن طريق جلب العناصر من خارج الشيء ، وضمّ بعضها إلى بعض عن طريق الظاهر حتّى تتكامل ، وهم لا يستطيعون مهما كان بعضهم لبعض ظهيرا ، أن يجعلوا ما يبدعونه ينفطر من باطنه ، ولو من خلال قنوات صغريات نواته الأولى التي عليهم أن يبدعوها ، وأن تكون هذه الصّغريات هي المحدّدة لخريطة صفاته الجسديّة والنفسيّة ، المادّيّة والمعنويّة ، حتّى يتكامل خلقه وفق ما قدّر له في خريطة إيجاده . إنّ مركز جسم ما ، ككرة حجريّة أو معدنيّة مثلا ، هي نقطة العدم المطلق الذي يبدأ عندها الإيجاد من العدم ، لأنّ الخطوط التقديريّة المتصّورة في الذّهن ، والممتدّة من سطح الكرة إلى عمقها ، ستنقطع حتما عند التلاقي في العمق . فالمركز الّذي تنقطع عنده متلاقية هو عدم حتما ، لأنّه ليس شيئا مادّيّا ، ولا فراغا قابلا للامتلاء . ومن هذا البدء العدميّ خلق اللّه السّماوات والأرض ، على طريقة الفطر ، ويجري تتابع عمليّات الخلق قي تصاعد وتنام ضمن الأبعاد حوله ،